محمد متولي الشعراوي
1899
تفسير الشعراوى
ليس لهما فعل ماض . ونستخدمهما في صيغة المضارع . والحق سبحانه لم يكن ليدع المؤمنين على ما هم عليه من الاختلاط واندساس المنافقين بينهم وعدم معرفة المؤمنين للمنافقين ؛ لذلك يميز ويظهر الخبيث من الطيب . فلا يكتفى بإخبار النبي بأمر الخبثاء فقط ، ولكنه يكشف الخبثاء بفعل واقعي . فيقول : « وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ » ؛ لأن اللّه لو أطلعكم على الغيب لتعرفوا المنافقين لأنكروا أنفسهم منكم وستروها عنكم ، ولذلك يجرى سبحانه الوقائع لتكشف الخبيث من الطيب ، وبعد ذلك يوصم المنافق بالنفاق بإقرار نفسه وإقرار فعله . « وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ » . إنه جل وعلا يختار من رسله من يشاء ليطلعهم على بعض الغيب حتى يزدادوا ثقة في أن اللّه لا يتخلّى عنهم ، أي يعطى للرسول دلالات على المنافقين ، حتى يزداد الرسول ثقة في أن اللّه لا يتخلّى عنه . واللّه برحمته لا يكشف الغيب لكل المؤمنين ، فلو اطلع المؤمن على الغيب لفسدت أمور كثيرة في الكون . وهب أن اللّه أطلع الإنسان على غيب حياته ، فعرف الإنسان ألف حادثة سارة ثم حادثة واحدة مكدرة ؛ فإن كدر الإنسان بالحادثة الواحدة المكدرة التي تقع بعد عشرين عاما يفسد على الإنسان تنعمه بالأحداث السارة . وإن كان الإنسان يريد أن يطلع على غيب الناس فهل يقبل أن يطلع على غيبه أحد ؟ فلماذا تريد أيها الإنسان أن تعرف غيب غيرك ؟ أيرضى أي واحد منا أن يعرف الناس غيبه ؟ لا . إذن فستر المعلومات عن الناس وجعلها غيبا هي نعمة كبرى . ومع ذلك فالناس تلح أن تعرف الغيب . ونرى من يجرى على الدجالين والعرافين ومن يدعون كذبا أنهم أولياء للّه ، وكل ذلك من أجل أن يعرف الواحد بعضا من الغيب . وهنا نقول : ليست مهارة العارف في أن يقول لك ماذا سيحدث لك في المستقبل ، لكنها في أن يقول واحد من هؤلاء المدّعين لمعرفة الغيب : إن حادثا مكروها سيقع لك ، وسأمنعه أو أدفعه بعيدا عنك . لا أحد يستطيع دفع قدر اللّه ،